المدونة

الإيمان و المعنى المفقود

المقال بقلم عابر سعودي   

الإيمان في اللغة هو التصديق بوجود شيء ما أو فكرة ما، إلا أن الإيمان في بعده المعرفي هو التسليم القلبي والعقلي بصورة مًطلقة من المخلوق إلى الخالق. وقبل الغوص في تفاصيل الإيمان وإذا ما كان يُشكل معنى ثابت أم تغيير، ثمة حاجة إلى توضيح أن ماهو شائع في العرف اللغوي و على جه الخصوص عند المسلمين أن المسيحية دين من الأديان بينما في الحقيقة أن المسيحية هي إيمان بشخص المسيح حيث ورد في الكتاب المقدس ما يؤكد هذا الطرح  ( عمرانيين ٩: ١٠ ، كولي ٢: ٢٥) ” تَعَالَوْا إِلَيَّ“ ( متى ١١: ٢٨ ) قال المسيح ” أَنَا قَدْ جِئْتُ نُورًا إِلَى ٱلْعَالَمِ، حَتَّى كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِي لَا يَمْكُثُ فِي ٱلظُّلْمَةِ ” ( يوحنا ٤٦:١٢ )  مما يُبطل ماهو شائع ومعروف عند الآخرين على أن المسيحية ديانة.     

    لكل شيء متكأ في هذا الوجود بما فيها عالم المفاهيم والأفكار، ولأن حديثنا عن المعنى المفقود عند كثير من المؤمنين في بوصايا الرب يسوع، وحتى تكتمل الصورة في ذهن القارئ يجب أن نُسلط الضوء على فلسفة المعنى في حياة الإنسان. تدور حياتنا كبشر حول المعنى فهو المحور الذي نلتقي عنده وحوله. إن من لا يعتقد بوجود فكرة الخالق
هو يُغيب المعنى الواقعي ويستحضر المعنى التخيلي وهذا ما يجعل أصحاب هذا الاعتقاد يصطدمون بالسؤال المثقل بالقلق المعرفي ، ماهو المعنى من الوجود البشري بكل ما فيه وعليه؟ ما قيمة حياة الإنسان إذا كان يُمارس دوراً مُتكرراً كتناول الطاعم ، والنوم والتكاثر وما إلى ذلك من أمور بشرية قد يشار فيها بقية المخلوقات؟   
 
     يدفعنا السؤال السابق إلى التفكير في حقيقة العبث ، وهو المؤشر على انعدام العقلانية، و يمكن القول أنه التمظهر لمفهوم العبث حيث لا يُمكن اعتبار فعل ما ذوا معنى مع خلوه من التعقل في الأفعال.   وإذا ما سلمنا أن الإنسان كائن شديد التعقيد للغاية، يُصبح المعنى بالغ الأهمية في حياته، وهو ما يدفعنا نحو الغوص في أعماق تشكل أفكاره، ومعتقداته، وما يجري عليها من تحولات طيلة وجوده في هذا الكون، لنصل إلى نتيجةً مفادها أن المعنى هو المتكئ الذي يجلب إلى الإنسان الطمأنينة، وذلك من أجل أن لا يقع في فخ الشعور بالضياع والعزلة الذاتية والاجتماعية. وذلك نجد الكثير من المؤمنين هم من محبي المسيح لكن افتقادهم إلى المعنى من الإيمان أبعد الكثيرين من السعادة والاستقرار النفسي بسبب عدم وجود الطمأنينة التي هي نتيجة لوجود رابطة شديدة الالتصاق بين لإيمان والمعنى. 

وهذا ما وجدته في الأشهر الأخيرة من حياتي حيث عشت فراغ المعنى، إضافة إلى الحاجة إلى الاشباح الروحي وتحقيق السلام الداخلي على مستوى العقل والقلب وهذا جانب مهم ومؤثر دفعني إلى فهم المسيحية والإيمان برسالة المسيح.

السعادة صورة متجزئة 

  السعادة صورة متجزئة
بقلم عابر سعودي   

مفهوم السعادة

مُنذ العصور القديمة والإنسان يبحث عن ما يجعله يشعر بالسلام والذي يمثل خطوة ضرورية نحو السعادة، إلا أن الكثير من البشر عبر العصور لم تتشكل صورة السعادة كما تُفهم أدبياً بل تم اجتزائها على شكل أمنيات بشرية، قد يقول قائل ماذا على من لا يؤمن بفكرة الإله وبتالي هؤلاء حدود رؤيتهم للسعادة لا تتجاوز المُنتج البشري، أتفهم هذه الرؤية وأستطيع قراءتها على نحو البحث عن مشاعر الانتشاء اللحظية بينما قد يُفقد أثناء حدوث أمر غير سار، وهنا تحديداً تبدأ التحديات الحقيقة فمن أين المُتكئ إذ كانت فكرة الإله لا يعتقدون أن لها علاقة بالسعادة المكتملة؟! تحدث لي شاب من دولة عربية مقيم في أوروبا يقول: "أن حياته جحيم بدون زوجة وأنه متندم على تجاهل الموضوع ويكمل حديثه، أنا كنت أبكي وأكون منهار نفسياً حينما أذهب إلى الاستحمام." بينما مواطن عربي مؤمن بالمسيح المُخلص بالولادة يقول: " نعم الزوجة ضرورية لا سيما نحن المهاجرين، ومؤمن بوجود الإله." لكن لم يحدث أن أصاب بالاكتئاب الحاد، نعم أشعر بالحزن حينما لا أجد من يبادرني المشاعر والاهتمام."  السعادة التي ترتبط في أشياء مادية قابلة إلى الانتهاء تؤدي إلى انتكاسة نفسية وروحية، بينما السعادة المُرتبطة بالتغذية الروحية والنفسية هي سترة النجاة من رصاصات مشاعر الوحدة المتوحشة ومضاد فعال ضد أمراض فوضى القيم والمبادئ التي يكومن محورها تحقيق النشوة في أبي صورة كانت. نجد في أنجيل متى آية 6 " طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَٱلْعِطَاشِ إِلَى ٱلْبِرِّ، لِأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ."  وآية 7  " طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ." هنا بُشارة سارة أن الرب يسوع يحقق لك الشبع الروحي والنفسي مما يُعطيك القدرة الادراكية على أن تمتلك صفة الرحمة وتكون رحيم على الآخرين، وبهذا نتمكن من امتلاك صورة مُكتملة عن مفهوم السعادة.

السعادة والحزن

لو نظرنا إلى الحزن فلسفيا ودوافعه التي تجعلنا نركن له والتي في غالب الأمر تبدو فقط متعلقة بالفقد أو ربما الاضطهاد والإهانات الشخصية التي تصدر من مختلف مراكز القوى في الغالب لن نخرج عن حالة جلد الذات والانعزال عن المحيط الاجتماعي بصورة عامة. هذا التعامل الثقافي مع الحزن هو نتيجة تربية اجتماعية خاطئة. إن وظيفة الحزن تعزيز أهمية وجود البوصلة الصحيحة التي تُعيد تشكيل وعي الضمير الإنساني بعد الترسبات السلوكية التي غيبته الذي يعني" التوبة " أي عدم العودة إلى الفعل الخاطئ من جديد، إلا أن حتى هذا المفهوم تم تجريده من حقيقته. لو فتشنا في أعماقنا سوف نجد هناك حزناً جاهزاً للكشف عن ذاته إلا أننا نُخبئه خشية من جلد الذات وعدم تعزيز قيمة الضمير وهو ما يصطلح عليه في الأخلاق " بالغرور" وهو على مستويات بعض الحالات ممكن العمل على معالجتها إلا أنه يُصبح في دائرة المستحيل حينما يتم إزاحة الضمير من دائرة الاهتمام. إن الحزن حاجة بشرية نحتاج له كما نحتاج تماما للفرح.

تكمن أهمية الشعور بالسعادة أنها عنصر بالغ الأهمية مما له لأنه الوقود النفسي الذي يدفعنا نحن البشر إلى مكافحة صعوبات وتحديات الحياة سواء عبر توفير لقمة العيش أو غيرها من مسؤوليات يومية. في حديث مسجل على منصة يوتيوب لقناة حياة أفضل والذين يشكلون فريق للترنيم مُنذ ما يقارب 15 عام في مصر تقول الأخت إنجي ميشيل عبر قناة اليوتيوب في خدمة دي بنتي من فرقة الحياة الأفضل من 16 أكتوبر العام الماضي 2021 أنها حينما كانت صغيرة تمنت أن تتملك سيارتها الخاصة وتتجول مع صديقاتها وهي تستمع للموسيقى " السعادة في المشهد ده، تخيلت أن يكون عندي ناس كثيرة تحبني وأكيد هي ده كمان السعادة."  الأخت إنجي تؤكد على رغم حصولها على أشياء كثيرة كانت تتمناها إلا أن لا تزال تشعر أن هناك شيء ما ينقصها "كل الأشياء دية مش كافية اكتشفت أن أكثر حاجة بحتاجه هو أن أقبل نفسي، مش مستنى الناس إلا حوالي هي تقبلني". بكل وضوح الأخت إنجي تتحدث عن الحاجة إلى علاقة الإنسان بذاته ومعرفته بها، وتشير إلى ما كانت تفتقده في حياتها وهو المعنى " كل الحاجات التي بذلت فيها مجهود ما بئه تشبعني". وتضع بضرس قاطع أن أهم شيء يُساعدها على إصلاح ذاتها  هو علاقتها مع خالقها نظراً أنه هو الوحيد الذي يعرفها." اكتشفت أحسن استثمار مع نفسي هو نفسي ، هو إنني أرجعه ثانية مطمنه ، أرجعه ثاني غنية، وارجعه ثاني شبعانه مش من الحاجات إلا حواليها لكن من الحاجات إلا تستمد علاقتها من ربها". نستخلص من تجربتها أن الاشباع الروحي ضروري لتحقيق السعادة وأن هناك كثيرين ممن امتلكوا وحققوا الكثير ومع ذلك ينتحرون بسبب غياب المعنى في الحياة الشخصية مما يجعلهم عرضه إلى عدم الشعور بالسعادة الحقيقة. في إنجيل متى من آية 7 حتى آية 9 "طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ، لِأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. ٨ طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ ٱلْقَلْبِ، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ ٱللهَ. ٩ طُوبَى لِصَانِعِي ٱلسَّلَامِ، لِأَنَّهُمْ أَبْنَاءَ ٱللهِ يُدْعَوْنَ." إن لم نكن رحماء مع أنفسنا وأنقياء القلب ومحبي وصانعي السلام، ذلك يعني إن بين ذواتنا وبين الوصول إلى السعادة المنشودة مسافات شاسعة.


ميلاد المُخلص سعادة أبدية

ونحن نعيش ذكرى ميلاد المُخلص المسيح الأبن لا بد لنا كمؤمنين أن نُدرك أن عمق السعادة الحقيقة والمكتملة هي معرفة وصايا الرب يسوع وجعلها برنامج حياة فهو مُخلصنا وفادينا بدمه على الصليب، ولا يمكن تنفيذها مالم نعرفها معرفة تفاعلية لا معرفة جامدة، أي أن تنعكس المعرفة على مجمل سلوك حياتنا لا سيما مع الآخر الذي لم يعرف أو لم يسمع أي شيء عن المسيح فضلاً لمن عاش في وسط اجتماعي غير مؤمن بفكرة وجود خالق لهذا الكون. لنجعل كل يوم في حياتنا بمثابة ذكرى ميلاده لأن ذلك سوف يجعلنا نستشعر حضور الرب في حياتنا الشخصية والأسرية والاجتماعية.

    
بح