تحنّن المسيح على الشعب الضال الذي لم يعرف ربه ولا نفسه، فاختار تلاميذ من الجماهير ودعاهم وأفرزهم وقادهم إلى الجبل، حيث جلس رسمياً كمعلم للتوراة ليعلّم النخبة ومَنْ حولهم من الشعب. وفي أحضان الطبيعة أعلن المسيح مبادئ الملكوت الإلهي، وهو الدستور السماوي.لقد بدأ عظته على الجبل بكلمة «طوبى». ثم ردَّدها تسع مرات، كصوت جرس مجلجل من السماء، معلناً لنا أن الغبطة والسعادة هما أساس ملكوته. فليس عليك أن تتمم نواميس وفرائض ثقيلة بكد وتعب لتدخل ملكوت الله، إلا أن تقبل كلمته اللطيفة ببساطة الإيمان. عندئذ تنجو من الدينونة، وتتحرر من العقاب. والمسيح يدعوك إلى غمرة الفرح، لأنه لم يأت ليهلك الخطاة، بل ليخلّصهم ويشفيهم ويرحمهم. فدستور الله للأرض مبني على السرور والشكر والتهلل. وليس على فرائض ودموع.
  1. طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السموات (٥: ٣) يُرينا المسيح قبل كل شيء، أن ليس إنسان يقدر أن يدخل ملكوت السماوات إلا بواسطة الروح القدس. وهذا الروح المُعلَن يُظهِر لنا خطايانا وخبثنا، حتى أنه يكسر كبرياءنا، فننسحق ونعترف أننا نحن المساكين هالكون أمام قداسة الله، ونجسون بنسبة طهارته ولطف قداسته. فندرك أنانيتنا في ضوء محبته، وكذبنا أمام نور حقه. طوبى لك إن كشف روح الله خطاياك، وقادك إلى التوبة الأمينة، وشفاك من عماك. عندئذ تنفتح أبواب السماوات أمامك على مصراعيها، لأن التائب وحده يستطيع القدوم إلى الله.
  2. طوبى للحزانى لأنهم يتعزون (٥: ٤) والرنين الثاني لجرس محبة الله يخصّ الحزانى، وبالحري كل إنسان، لأننا كلنا حزانى. أما المسيح فيقول لك: لقد ابتدأ عصر جديد، لأني غلبت بموتي الكفاري أسباب الضيق والحزن. ويحل روح الله فيكم معزياً، ولا يبرح منكم. وهو عربون رجائكم. فالحزن في قلبك مهما كان كبيراً يغلبه فرح السماء. والمسيح يعطي الرجاء الأكيد لعالمنا الحزين. فافرح واشكر وابتهج للخلاص العظيم. وانتظر مجيء الرب القريب، عندئذ يحقق رجاءنا المجيد.
  3. طوبى للودعاء لأنهم يرثون الأرض (٥: ٥) لا ينظر الله إلى العالم من خلال الزمن. وإنما ينظر إليه من أبديته السرمدية، فيرى كيف يتشامخ السلاطين في دنيانا، ويعامل الكبار الضعفاء بعنف. وأما الله فهو وداعة وجودة ولطف. فمن يرد العيش معه عليه أن يسلك وديعاً كالمسيح، الذي حين سيق كخروف إلى الذبح لم يتذمّر ولم يلعن. ونتيجة طاعته فدى العالم، ونتيجة أمانته وهبه الله كل الأنام إرثاً. فمن يلبس من روحه ثوب الوداعة والتأني وإخلاء النفس، سيلمع في مجيئه كشمس البر، ويملك معه على الأرض. لأن المصلين الأمناء والمبتهلين لأجل الآخرين، هم بالحقيقة ملوك الله وكهنته المستترون. ولكن الأقوياء والزعماء والأغنياء والشبعانين، سينوحون عند مجيء المسيح الثاني وييأسون، لأنهم لم يدركوا دستور الله وخالفوه، فيسقطون إلى أقسى العذاب. وأما الودعاء فيرثون الأرض.
  4. طوبى للجياع والعِطاش إلى البر لأنهم يُشبعون (٥: ٦) والرنين الرابع لجرس محبة الله يلهم الرجاء للجياع إلى البر، المستيقظين من نومهم في الخطايا. كل الناس يودّون عمل الخير ويشتاقون إلى نجاح الإنسانية، ولكن لا يقدر أحد أن يحققها، لأننا جميعاً عبيد الخطايا. وأما المسيح فبرر الخطاة بموته على الصليب. فمن يشتاق إلى البر والقداسة يجد في المسيح ملء البر الإلهي، والقوة لتنفيذ المحبة الحقة. تعال إلى يسوع فيُطهّر قلبك ويجددك إلى الثبات في الله. وعندئذ لا تبني فرحك على طاقاتك الشخصية، بل على نعمة الله وحدها. فإيمانك قد خلّصك، وفرح المسيح يحل فيك.
  5. طوبى للرُحماء لأنهم يُرحمون (٥: ٧) كل من تبرر بدم المسيح تحل رحمة الله في قلبه، ومن يحب يسوع لأجل مصالحته العظيمة لا بد أن يغفر لأعدائه كل ذنوبهم. ومن حصل على مسحة الروح القدوس، لا يحتقر إنساناً بسيطاً، بل يعينه ويباركه ويعزيه، ويضحّي لأجله بما عنده. فالله محبة، ومن يؤمن به يتغير إلى تلك المحبة. والذي لم يعرف الله، يبقى في البغضة والاحتقار والقساوة. هل أصبحت إنساناً رحيماً كما أن المسيح هو الرحيم؟ عندئذ تجري قوة الله من قلبك إلى عالمنا الميت، وبإيمانك بالمسيح تقوم من بين الأموات إلى الحياة الأبدية. وستخلص من الدينونة الأخيرة برحمته، حسب المحبة المنسكبة في قلبك بواسطة الروح القدس المُعْطَى لك.
  6. طوبى لأنقياء القلب لأنهم يُعاينون الله (٥: ٨) هل أنت طاهر القلب وماذا تحلم ليلاً ونهاراً؟ يريد المسيح تنقية قلبك وتطهير شعورك الباطني ليملأك بطهارة روحه، فلا تسيطر عليك الشهوة والطَمَع، بل تتحرر إلى حرية أولاد الله، وتعترف أنه مستحيل عليك السلوك في الطهارة تلقائياً. ولكن روح الله يستطيع إماتة أعمال جسدك الشريرة، ويجعل لسانك صادقاً، ويضبط كل أفكارك وينَقّي شعورك.وحينئذ يخبرك الله بالفرح أنك ستعاينه بجلاله. ليس لصلاحك ولا لبرك الذاتي، بل لأن دم المسيح طهّرك من كل إثم. وروحه القوي غلب نزوات جسدك. هل تشترك في كفاح روح الله ضد خطاياك؟ فمن يغلب بواسطة اسم يسوع، سيرى الله أباً حنوناً ويمكث معه إلى الأبد. هل تشتاق إلى رؤية مجد الله، أو تدور حول ذاتك الممتلئة بالنجاسة والفساد؟
  7. طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يدعون (٥: ٩) والرنين السابع لجرس سرور الله يدعوك إلى امتياز خدمة السلام، فالمؤمن لا يعيش لنفسه ولا يسترخي بالكسل والأنانية، بل يسعى كوسيط بين الله والناس، ويدعو كل الهالكين إلى الصلح مع الله. أخبر الناس كيف حلّ السلام السماوي في قلبك، ادعهم إلى الجوع والإيمان والرجاء. فتتناغم مع روح المسيح وتكون من إخوته. لأنه قد صالح بموته العالم مع القدوس، ويريد نشر سلامه في كل نواحي العالم. والله في جودته يستقبلك في عائلته، ويرسلك إلى الآخرين لتطفئ الخصام والحروب بينهم. ولكن لا تنس أنه ليس سلام بدون الصليب. وكل من يريد صنع سلام بدون رئيس السلام يفشل حتماً.
  8. طوبى للمطرودين من أجل البر لأن لهم ملكوت السموات (٥: ١٠) الرنين الثامن للفرح يبدو مراً، لأنه موجَّه إلى رسل الله صانعي سلامه، الذين يُضرَبون لأجل محبتهم، ويُستهزأ بهم لأجل بشارتهم بالمصالحة مع الله، ويُحتقرون لعفوهم عن زلات الآخرين. هل تظن أن نتيجة تبشيرك ستكون أفضل مما كان للمسيح وأتباعه؟ فطوبى لك إن تألمت لأجل شهادتك وأنت في شركة المسيح، عندئذ يرافقك مخلّص العالم نفسه ويقّوِيك ويعّزِيك، ويحفظك كحدقة عينه. فلا تتمرمر بأحقاد في قلبك على آخرين، بل افرح لأن ربك أعظم من كل ممتلكاتك الأرضية المفقودة، وقد جهَّز لك مملكة روحية في حضوره إلى الأبد.
  9. طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا لأن أجركم عظيم في السموات (٥: ١١ ، ١٢) يكرر الرب التطويب لرسله المرفوضين، لأن روح العالم يبغض الله والمولودين من روحه. فأبناء عصرنا يعذبون أبناء القدوس كما عذَّب الشيطان المسيح ورسله. ففي ساعة الآلام المرة عند فقدان بيتك ومكان عملك إن طُردت، فان ابن الله يأمرك بالسرور والابتهاج، لأن آلام هذا الدهر لا شيء بالنسبة للمجد الإلهي العظيم الذي سيظهر فيك وفي كل المؤمنين المخلصين. وربك نفسه هو أجرة إيمانك. والروح القدس يحل فيك. فلماذا تنوح؟ افرح واغتبط وتهلل واشكر، لأن إعلان ملكوت السموات قريب.

انجيل متى الموعظة على الجبل

بح